التعاليم الداهشيَّة
الروح والجسد في عراك دائم. هذا ما علمناه من الدكتور داهش في جلساته الروحية. وكانت الروح القدسية التي كانت تحتله في تلك الأثناء تأتي وتكشف لنا النقاب عن أسرار هذا الوجود. وقد فهمنا أن في كل دين من أديان الأرض قبساً من الحقائق الإلهية. وأن هذه الأديان كالأجناس والألوان البشرية متصلة ببعضها بعضاً متممة لبعضها بعضاً. فمن الدين الأول البدائي إلى الأديان السامية حلقة من التعاليم التي تزداد رقياً وروحانية كلما ازدادت البشرية أو كلما ازدادت فئة منها رقياً واستعداداً لتقبل الحقائق الخالدة مثلاً:
إنّ رجل الغابات لا يمكنه بالنسبة لتطوره الروحي. أن يتقبّل تعاليم المسيح له المجد فرجل الغابات الخارج من الحيوانية هو بميوله وغرائزه وهذه كلها سيالات روحية مسؤولة قريب كل القرب عن الأرض والمادة بعيد كل البعد عن السماء والروح. ورجل الغابات هذا قد تناسل فإذا بسيالاته تنتشر في أجسام جديدة وتتبع هذه السيالات تطورات العصور والدهور. ويأتي الأنبياء والمرسلون ويشيدون الأديان بموجب خطة مرسومة منذ الأزل من العناية الإلهية الضابطة لكل شيء. فرجل الغابات هذا أو من تناسل منه “وهو سيال منه” ينال نصيباً من التفهّم والرقي الروحي بصورة تدريجيّة.
وبعبارة أوضح وأصرح نقول أن الأرواح معدودة محدودة مخلوقة مع الخليقة ملتصقة بالمادة لأنها شطّت وتدهورت من أماكنها العلوية إلى هذه الأرض وهي آتية ذاهبة إليها بأجساد مختلفة وظروف مختلفة وبلدان وأجناس مختلفة فتنال كل واحدة منها قسطاً معادلاً لما تناله سواها من الأرواح من الإمكانيات والظروف لترتقي وتخلص من الأرض وشقائها. وما الألم في هذا العالم وما أنواع الأمراض والعذابات والأهوال الخ. إلاّ وسائل تطهير لتلك الأرواح إذ لا تسمو لروح إلاّ بالألم. وهذه الأرواح المعدودة المحدودة تتجسد حسب استحقاقها وأهليتها. أما في دنية كالجماد والحيوان وأما في أجساد إنسانية. وكلما ازدادت أهلية للرقي كانت درجتها أسمى في سلّم الموجودات والروح الواحدة من تلك الأرواح عدة شخصيات على الأرض كما سنشرحه فيما يلي:
الروح البشرية
وقد علمنا أمراً مهماً جداً. وهو أن الروح لا تتمركز في الجسم بل هي في مكانها العلوي. أو في عالمها الروحي السفلي حسب استحقاقها. ومن ذلك المركز تسير الروح السجد أو الأجساد المتغلفة بها. أما في هذا الجسد فلا يوجد إلاّ نفس للحياة وسيالات مختلفة نشعر بها في ميولنا. فالبغل- سيال دراك مسؤول وهكذا الكرم.
والظلم- سيال دراك مسؤول وهكذا العدل.
والكسل والنشاط والبغض والحب والشراهة والاعتدال والطمع والقناعة. وهكذا قل عن بقية النزعات والنزوات التي يشعر بها كل إنسان. ولكل روح ستمئة سيال من حسن وقبيح.
والحرب مشتعلة بين الحسن والقبيح أي بين الخيرة والشريرة. ومصير الروح متعلق بنتيجة معركة سيالاتها الأرضية. فأما أن تتغلّب السيالات الطبية على السيالات الشريرة فترتقي الروح وترتفع في سلم السماوات. وإما أن تتغلّب السيالات الشريرة على السيالات الطيبة فتتدنى الروح وتهبط إلى الدركات السفلية.
وعلمنا أيضاً أن هذه الأرض قديمة جداً يعود تاريخ خليقتها إلى 76 مليون من الأعوام وقد مر عليها 760 دوراً من الأدوار التجديديّة ونحن الآن في دور لوح أي دور الطوفان.
كما أن هذه الأرض ستنتهي بعد حين قريب فيظهر مكانها أراض جديدة وسماوات جديدة كما هو مذكور في الكتب المقدسة. وكانت المخلوقات في العصور الأولى أقل رقياً مما هي عليه الآن. أي أن نزعاتها الشريرة كانت هي المتغلبة على النزعات الطيبة تغلباً تاماً. وهذا الوضع يتجلّى في أشكالها الجسدية. إذا كانت تلك الأجساد قبيحة المنظر. مرعبة الهيئات تحيا طويلاً على الأرض. وكانت في حرب دائمة “كالديناسور والاكتيوزور. والجبابرة والماموث الخ.
وعلى مر العهود وتوالي الأجيال وبعد الآلام والمحن التي مرّت بها الأرض ومن فيها ارتقت تلك السيالات نوعاً فكان من نتيجتها أن ارتقت …..
(63)- الدبور في 20 حزيران 1949 عدد 1252
الأشكال الجسدية التي تأخذها هذه السيالات إلى أن وصلنا إلى عصرنا الحالي. ونحن في تقدم دائم بفضل التلقيح السماوي الذي يأتينا بصورة مستديمة من السماء والمتجلي بالأنبياء والمصلحين والهداة والعلماء والحكماء الذي يأتون إلى الأرض في كل أمة من الأمم وفي كل شعب من الشعوب وفي كل دور من أدوار التاريخ الأرضي إلى أن يحل ملكوت الله المتنبأ عنه والذي سيتم بعد انتصار الخير الساحق على الشر الباطل.
أما نحن معشر البشر فعمال في هذا العراك الغير المنظور ومن نتيجة أعمالنا أما أن يتأخر مجيء ذاك العهد الروحي معادل وأما أن يتقدّم أجله. والقضية مهمة جداً بالنسبة إلى كل فرد منا إذ لا يمكننا التملّص من نتائج الأحوال العامة التي يخلقها في المجتمع انتصار الخير أو انتصار الشر. هذه هي مسؤوليتنا الإجماعية. أما مسؤوليتنا الفردية فهي تامة ثابتة بموجب قوانين غير منظورة تعطي عنها شرحاً قليلاً فنقول: لكل روح كما ذكرنا 600 سيال. ومن هذه السيالات من ارتقى إلى السماء وتتجلى آثاره فينا بالنزعات الطيبة. ومن هذه السيالات أيضاً من هو باق على الأرض وتتجلى آثارها بنزعاتنا المادية: ومن هذه السيالات من تدنى وعصى فاستحق العقاب والجحيم. وتتجلى آثاره فينا بالنزعات الشريرة وكل إنسان يشعر بهذه النزعات الثلاث. نزعات طيبة ونزعات مادية تسمّره في الأرض ونزعات شريرة تدفع به إلى إرتكاب الشرور. أما جسدنا فهو المستودع وآلة التجربة التي تأتي إليها هذه السيالات لتتجرب وتمتحن وظروف الحياة المختلفة التي نمر فيها هي التي تخلق ذاك الامتحان فإذا انتصرت سيالات الخير على النزعات الشريرة في الإنسان انسحقت تلك السيالات الشريرة ثم تهذبت وارتقت إلى السماء لتتصل بأخواتها والعكس بالعكس وهذا يعطيك فكرة عن أسباب تنوع الناس في نزعاتهم وميولهم. فمنهم من تسيطر فيهم الميول الروحية كغندي مثلاً أو جبران الخ. وهذا ناتج عن انتصار السيالات الصالحة فيهم على تلك الميول الجسدية والميول الشريرة في محنتهم الأرضية فأصبحت معظم سيالات أو كليتها صالحة للسماء.
ومن الناس من تسيطر فيهم الرغبات الأرضية والسيالات الشريرة على السيالات الصالحة فيتجلى ذلك في اتجاه حياتهم وأعمالهم وأفكارهم إذ كلها تتجه نحو الأرض أو الشر. وكلما ازداد في الإنسان عدد سيالاته الصالحة أصبح سيالاً للخير أكثر فأكثر. وكلما ازداد فيه عدد السيالات الشريرة أصبح ميالاً للشر أكثر فأكثر. وهذا هو سبب تنوّع الناس في نزعاتهم وعندما تنطلق هذه السيالات من الجسم بواسطة الموت ترى في لحظة واحدة نتيجة تصرفها في المدة التي أعطيت لها كي تتجرب على الأرض فإما صعود وهناء، وإما هبوط وشقاء… البقية في العدد القادم .
(64)- الدبور في 4 تمّوز 1949 عدد 1254
أغرب الأسرار الداهشية!.
62- بقلم الأستاذ حليم دمّوس
أما اختلاف الأديان والألوان البشرية فهو ناتج عن اختلاف هذه السيالات وما يخلقه هذا الاختلاف من أهليات واستحقاقات في المرء. فمن الأديان مثلا ما هو قريب إلى المادة وهو صالح لفئة من الناس. ومن الأديان ما هو في نصف الطريق بين المادة والروح وهو صالح لفئة أخرى من الناس. ومن الأديان ما هو روحي محض وهو صالح لفئة أخرى من الناس. ولكن جميع هذه الأديان ضرورية تتمم بعضها بعضاً ويتدرج فيها البشر على ممر العصور فيأتي كل مرء في اللون والدين الذي يستحقه ويتقبله ويستطيع أن يسير بموجب تعاليمه. إذ أن رحمة الله وعدالته تغمر الكائنات بأسرارها ولا تستثني أحداً على الإطلاق. ولكل دور من أدوار الأرض يوم حساب ففي ذلك اليوم الرهيب تتلاشى المادة وتضمحل العناصر وتبقى الأرواح مائلة أمام الديان فمنها من فاز وانتصر فجنى ثمار أعماله بانتقاله إلى عوالم سعيدة. ومنها من شط واندحر فيهبط إلى دركات الشقاء التي استحقها.
فاعلم أيها القارئ أن كل فكر وكل عمل وكل قول تقوم به في يومك يترتب عليه مصير رهيب بنتائجه فإما مصير سعيد عظيم . وإما مصير شقي ذميم. فالله الذي خلق لأتفه الموجودات قوانينها وأنظمتها الثابتة. والله الذي يثب بإرادته الأنظمة التي تثبت الحياة في الأجساد وتسير كل جزء دقيق من هذه الأجساد اللانهائية العدد. إن الله جل جلاله وتباركت أسماؤه الحسنى قد خلق نظاماً دقيقاً جباراً يحصي عليك كل عمل من أعمالك وكل اتجاه من اتجاهاتك. فهنيئاً لك إذا أقلعت عن الشرور وخلعت عنك النزوات المادية واتجهت إلى الخالدات الباقيات. الويل ثم الويل لك إذا ثبت تمرداً على إرادة العادل الديان. فما هي قيمة الحياة يا ترى وهي لمحة قصيرة ومرحلة حقيرة تتلاشى كتلاشي عشب الحقول أو كتلاشي الغيوم والأحلام. وما هي قيمة الحياة إذا قضيناها في كل تافه وضيع تاركين تلك الغاية العظيمة النبيلة التي أعدتها لنا العناية. ومتمسكين بتلك النفايات الدنيئة والزائلات الدنيوية. فالعمر مهما طال وقصر كبرق خاطف. والأيام تكبر والأعوام تمر والطفل يشب والشاب يشيب والموت في المرصاد وعين باري الأنام لا تنام. فهل نبقى في جهلنا السخيف الأعمى أم هل نستيقظ إلى معرفة حقيقتنا فنتوب ونثوب ونعود إلى الحظيرة الإلهية ذات الصدر الرحب والأمل العذب والأحلام الهنيئة والحياة السرمدية فنقضي حياتنا الأرضية بما هو شريف رفيع نبيل. ثم ننتقل إلى مواطن النقاء والصفاء والبهاء المعدة لكل بطل صنديد قهر الشر وتغلب في أروع معركة يمكن أن يمر بها المرء ألا وهي معركة “الروح والجسد”.
ليس من يقطع طرفاً بطلاً إنما من يتقى الله البطل. وليس من يتعامى عن حقيقة وجوده وخلوده بالعاقل الحكيم . فالعاقل من يتعظ بحادثات الزمان وما الرسالة الداهشية إلاّ ذاك الحدث العنيف الحنيف الذي مزق الأستار… وكشف الأسرار ووضع الإنسانية أمام مسؤوليتها فهنيئاً لمن يتعظ ثم يعظ…
بين أبناء الجسد وأبناء الروح
الصراع العنيف بين الأنظمة المادية والأنظمة الروحية .
أيها القارئ العزيز
لقد لمست معي في سلسلة المقالات التي نشرتها في هذه الصحيفة”الحدث الداهشي” هو أهم الأحداث العالمية في الساعة الحاضرة في نظر الروحيين المؤمنين بخلود الروح بعد انعتاقها من هذا الجسد الترابي البالي. فما اختراع القنبلة الذرية وما اكتشاف أشعة جاما. وما اختراع التلفزيون والرادار وسواها من الاختراعات الحديثة الباهرة التي توصل إليها الإنسان إلاّ أحداث ضئيلة بل طفيفة تافهة إذا قيست بذاك الحدث الجليل العظيم الذي يكشف لنا عن الآفاق اللانهائية. نعم إذا فكرت قليلاً فستضطر للوصول إلى هذه النتيجة مرغما خاضعاً خاشعاً أمام الحقيقة الساطعة التي خفيت أسرارها عن جميع أبناء العصور الخالية لحكمة إلهية عالمية .
فهذه الاختراعات العصرية الحديثة التي ذكرتها لك يمكنها أن تؤثر على حياة الإنسان على الأرض وعلى تطوره الاجتماعي ولكنها ليست جوهرية على الإطلاق لأن البشرية قد عاشت بدونها مئات الأجيال وملايين السنين قبل آدم وبعده دون أن تشعر الحاجة إليها وضرورة استعمالها وفضلا عن ذلك يمكننا القول بكل صراحة أن هذه الاختراعات وأمثالها مهما بلغت من الخطورة والأهمية فهي لا تتجاوز نطاق عالمنا الأرضي الصغير المحدود وهي لا تفك لغزاً أو لا تحل طلسماً واحداً من أسرار هذا الوجود لأنها لا تتناول إلاّ العلل ولا يمكنها أن تتوصل إلى السبب الجوهري أما الحدث الداهشي فهو يتجاوز محيط هذا العالم البسيط.
نعم أنه يتجاوز عالم المادة، الملموس المنظور ليتناول العالم الغير المنظور عالم الغيب عالم الروح فمنذ أجيال وأجيال واجتهادات البشر موجهة لتحطيم ذلك الحاجز المنيع الحصين القائم بين الروح والمادة ومنذ أجيال وأجيال وهذه الاجتهادات البشرية مندحرة منكسرة لأنه كتب علينا نحن معشر البشر منذ البداية وإلى النهاية أن لا نمد يدنا إلى ما هو فوق الأرض وتحتها. وقد قال الله لأبينا الأول في سفر التكوين “تسلط على الأرض وعلى حيواناتها وطيورها”.
ولم يسمح للإنسانية أن تتسلط على ما وراء الأرض. وإذا برجل المعجزة يظهر وإذا بروائع آياته يتبلج فجرها ويسطع بدرها. وإذا بتلك السدود المنيعة تتحطّم وتتهدم. وإذا بنا أمام عوالم ما وراء الطبيعة ومعرفة قوانينها وأنظمة سكانها. وكل ذلك بطرق عملية واقعية مادية يخشع أمامها المرء مروعاً بل يبتهج .
(65)- الدبور في 15 آب 1949 عدد 1260
الغرائب الداهشية!.
إن الدكتور داهش مؤسس الداهشية صادق في إيمانه صادق في رسالته الإنسانية الجديدة. وهي والحق يقال رسالة نبيلة شريفة دينها التضحية على أبعد وأقدس المقاييس. وديدنها بذل النفس والنفيس في سبيل المثل العليا والأهداف الروحية السامية. وكل داهشي هو صورة طبق الأصل عن الدكتور داهش وروحانياته وأهدافه. فالداهشي- رجل العقيدة والحقيقة.
والداهشي- رجل الاستهتار والهزأ بالمادة والدنيا وما فيها من زخارف وسخافات وترهات.
والداهشي- رجل التضحية الكلية إذا مست الحاجة إلى ذلك.
والداهشي- رجل الإيمان بالله وبالأنبياء واليوم الأخير. وما الأرض في نظر الداهشي إلاّ بؤرة نتانة وبئر جبانة وخيانة ومستنقع سحيق الأغوار كريه الجو والسكان والمناخ فاسد القصور والأكواخ… وما وطنه الحقيقي وهدفه الأوحد وغايته القصوى إلاّ السماء ومرضاة خالق الأرض والسماء. ومن كانت هذه عقيدته في عصر مادي ظالم جائر ومن كانت له الجرأة الأدبية بأن يجاهر بهذه الحقائق ويفاخر. ومن كانت له المقدرة على أن يتحدى البشرية بأسرها في تفكيرها المادي المجرم. ومن مر في دهاليز السجون وظلمات المعتقلات وهو في سن الكهولة والشيخوخة. ومن قاوم السلطات الوطنية والأجنبية والهيئات والمنظمات السياسية وهو لا يستند إلاّ على ربه الأعلى دفاعاً عن عقيدته الروحية. ومن ضحّى براحة عائلته وأصدقائه وعارفيه مفضلاً الحقيقة وخدمتها على التواطؤ مع الجهل ومسايرة الجهلة والمسيطرين. وأخيراً أقول… أن من كان على استعداد في كل دقيقة بل ثانية إلى تلبية نداء ربه وبذل روحه بعد وقته ونشاطه وماله لخدمة عقيدته المقدسة… إن هذا الإنسان لا يراوغ وليس له مطمع على هذه الأرض الفانية. وإنما مطمعه المفرد وطمعه الأوحد وهدفه السرمد هو إعلان حقيقة سماوية عظيمة تعرف إليها واهتدى بها، رغبة منه في أن يهتدي إليها الآخرون وهو لا ينتظر من وراء ذلك أجراً ولا شكوراً فأجره عند الله وهو خير المكافئين!
اتعظوا ثم عظوا !.
عظات ثمينة للمؤمنين بالروح الخالدة
أما العظة الأولى فهي أن تدرك أيها القارئ العزيز أن الله قد خلقك متمتعاً بالحرية الشخصية. وهو قد خيرك وأنت في مرحلتك الأرضية المحدودة بين الخير والشر بين الروح وطموحها السامي وبين الجسد ورغباته المادية السافلة.
أما العظة الثانية فهي أن تدرك أن الله قد خلقك في بيئة معينة ودين معين وفرض عليك بعض الواجبات الروحية وإليك بعضها.
أن تمتنع عن الشرور والمنكرات وتتجه نحو المثل العليا متزينا بالفضائل وبمكارم الأخلاق. فإذا أطعت وسرت في طريق الحق كانت نهاية المسير في مواطن الحق والخلود في السماء.
وإذا تمرّدت وسرت في طريق شهواتك المادية وفي طريق الشر والباطل كانت نهاية المسير في مواطن الشر في الجحيم.
وهذه الحقائق قد أعلنتها العناية على ألسنة الأنبياء والمرسلين منذ أن وجد الإنسان. ولا جديد تحت الشمس. ومهما تجاهل المرء لهذه الحقائق الراهنة أو حاول انكارها فهو زائل وهي ثابتة. وإذا به بين ليلة وضحاها وقد سقط بين شدقي الموت الرهيب وهو بعد انطلاقه من قيود الجسد يمتحن بنفسه سخافة فلسفاته يوم كان على الأرض. ويلمس رهابة تلك الحقائق الثابتة الصامدة صموداً سرمدياً.
أما العظة الثالثة فهي أنه من العار على المرء أن يتجنّب الشر خوفاً من عقاب الجحيم. أو انتظاراً لثواب النعيم. فالرجل النبيل هو من يعمل الخير لأجل الخير. ولأن الخير أولى بالنفوس الأبية النقية. فما نزرعه فإياه نحصد في هذا العالم وكذلك في الآخرة. فالقبائح التي نحيا فيها كل زمان والتكالب المادي الظاهر للعيان. من كل إنسانة وإنسان في كل مكان والأطماع الأشعبية وغيرها من الرذايل الدنيوية قد جعلت من هذه الأرض جحيماً لا يطاق…
أما رغبة الله التي عبر عنها منذ القدم على أفواه المرسلين والأنبياء والفلاسفة والعلماء فهي أن يبتعد الإنسان ما أمكن عن شهوات الجسد ورغباته ويكبح جماحها ويترفع عنها ويستعمل المادة كوسيلة لا أن ينظر إليها كأنه غاية. وأن يحيا الإنسان حياة اجتماعية عادلة يقيم فيها الميزان لإعطاء كل ذي حق حقه محترما حقوق الآخرين مثلما يريد أن يحترموا حقوقه. ومتمماً جميع واجباته التي تفرضها عليه ظروفه. فالذي يحبّ ربّه ويميل إلى الخير يكون رجلاً روحياً، يتعشق العدالة والقيم الروحية ويعمل في سبيلها ويكون رجلا اجتماعياً صادقاً شريفاً يعمل لخير المجتمع الذي يحيا به فيخلق على الأرض كياناً جديداً تسيطر عليه قيم الروح من عدالة. وحيوية وأخاء ومساواة ومحبة ورحمة وشفقة وحنان وهلم معي جراً من أمثال هذه الفضائل الروحية والنعم السماوية.
وهذا الصرح الدنيوي الجديد الذي يضمن للمرء حياة شريفة في هذه الأرض أولاً ثم يقوده إلى نهاية سعيدة في السماء هو ما تنبأت عن حدوثه الغريب الأديان كافة وذلك عندما تنبأت عن فناء العالم وقرب حلول ملكوت السماء. ومجيء المسيح ثانية بمجده العظيم ليدين الأحياء والأموات عند مجيء اليوم العظيم وهذا الصرح المجيد سيبني لنا ذلك العهد الجديد مقتحما جميع الصعوبات دائساً بقدميه جميع العقبات وهذا الصرح يا طالب الحكمة والمعرفة هو الداهشية التي تدعو إليها أبناء هذه الغبراء قبل أن تزلزل الأرض وتزمجر السماء.
حليم دمّوس.